حسن الأمين
34
مستدركات أعيان الشيعة
وكون هذه النسخة متداولة في دور العلم باللغات الحية للثقافة الأوروبية في مطالع عصر النهضة لا تدعم نظرية بلاسيوس فحسب بل بحسمها حسما أكيدا في صالح المؤثرات الإسلامية . وللأستاذ سندينو الشكر الجزيل على جهوده العلمية الرائعة لا على نشره هذه المخطوطة النفيسة Manama La Escala - de فحسب بل على دراسته المصاحبة ومداخلاته ومقدماته وحواشيه وتوثيقه التي لا تقل قيمة عن اسهام بلاسيوس وإنجازه ( 1 ) ويهمنا أن نؤكد في هذه الخاتمة أن الحضارات لا تلد من الفراغ والنهضات لا تنشأ من العدم وان الحضارة الإنسانية كل لا يتجزأ وللبشرية جمعاء أن تعتز بهذه الحضارة ومشاركاتها فيها كائنا ما كان حجم هذه المشاركات . أما الذين يريدون أن يقسروا المقولات العرقية أو المذهبية أو الدينية على هذه الحضارة ويطوبونها لهذا العرق أو هذا الشعب أو يخرجون من شرف إنشائها وبنائها هذه الأمة أو تلك فإنهم لا يزالون يعيشون في ربقة أفكار سلفية بالية أوجدتها عهود منقرضة من الاستعمار الفكري والسياسي نادت بتفوق جماعات من البشر على جماعات أخرى من أجل السيطرة والهيمنة الاقتصادية على ثرواتها وخيراتها وإبقاء الفكر الإنساني في عتمة الاستئثار والاحتكار بعيدا عن روح التحرر التي أخذت تنهض الشعوب من كبواتها وجعلتها تدرك مكانتها من حضارة الإنسان المتكاملة الواحدة أن عمقا في التاريخ من حيث السياق الزمني أو من حيث المكان على هذه الأرض . وهذه حضارات ما بين النهرين ووادي النيل انفتح بعضها على بعض اقتباسا وتمثيلا وتوليدا ، ثم هذه حضارات اليونان والرومان التي تمثلت حضارات الشرق وأضافت عليها ثم جاء العرب والإسلام وجاءت معهم أكبر حركة استيعاب فكري وثقافي في التاريخ فهضموا في آن تراث الهند واليونان وفارس والرومان كما هضموا تراث ديانات التوحيد هضما كليا تكشف لنا في فقههم وأدبهم وعلم كلامهم وتصوفهم وفلسفتهم ثم أضافوا إلى ذلك كله مولدات فكرهم واختباراتهم في شتى الحقول وقدموه لأوروبا فنهضت شعوبها بحيوية جديدة تجلت في حركة اكتشاف رائعة في المكان والزمان والتراث والاكتشاف العلمي آخذة بيد البشرية صوب الأزمنة الحديثة . ولم يتم ذلك كله عفوا أو عن طريق المصادفة بل غالبا ما كان يأخذ شكل المؤسسة المنظمة الواعية لدور العقل والحضارة في إسباغ نعمة التقدم على الأمم ، فهذه مدرسة الحكمة في بغداد ترث مدارس السريان فتنظم عملية الترجمة والتماذج التراثي برعاية المأمون يقابلها مدرسة طليطلة وأشبيلية التي رعاها الفونسو الحكيم ، وتمت عن طريقها ترجمات عديدة في كثير من الميادين ومن بينها ترجمة ما أسميناه بالنسخة الأندلسية للمعراج ترجمة كاملة إلى لغات ثلاث هي الوسائط الأساسية في عمليات التماذج العلمي والثقافي والفكري بين أوروبا والعرب . ويهمنا أن نؤكد هنا أن ولادة الآداب الأوروبية كولادة فنون عصر النهضة وحركات اكتشافه الجغرافي والعلمي والفلسفي لا يمكن أن تفهم فهما كاملا إن هي عزلت عن مؤثراتها العربية والإسلامية وان حركة بحث منظم في الآداب يقود إلى ما قادت إليه حركة البحث المنظم في الفلسفة والعلوم وهي أن فنون أوروبا وآدابها في عصر النهضة والتكوين تنفست الحياة في رحم الإنجازات الحضارية العربية والإسلامية . وهذه ملحمة رولان ( Chamon de Rollan ) كتبها الشاعر استجابة لحركة الفتوح الإسلامية بين جيوش شارل مارتل والجيوش الإسلامية ، ثم هذه حركة شعراء « التروبادور » وبزوغ الشعر الغنائي في اللغات الأوروبية وخاصة شعر الحرب لا يمكن عزلهما عن حركة الموشحات وشعر الغزل ووصف الطبيعة وهو أمر لم يغفله المختصون من المستشرقين في دراساتهم المسئولة المنزهة . وملحمة الكوميديا الإلهية لدانتي التي تعتبر منعطفا مهما في نشأة الآداب الأوروبية لم تكن لتشذ عن عملية التماذج الثقافي هذه بل أن نشأتها لتتصل اتصالا مباشرا بمؤثرات المعراج وتصوراته الفكرية والغيبية وبنيته الفنية . [ 4 ] - أحمد بن يزيد القشيبي : كان أبرز شعراء اليمن في مطلع القرن الثالث وجاهة وفروسية ، وقد قال الهمداني في « إكليله » أنه ومحمد بن أبان وعلقمة بن ذي جدن وآل المفرغ أشعر شعراء بني « الهميسع » . وأحمد بن يزيد بن عبد الرحمن هذا قد مثل في زمنه أيضا دور الفارس اليمني المتعصب إلا أنه كان قد انفعل باحداث شمال الجزيرة ، والعراق والشام ، والخصومة الدينية والسياسية والفكرية بين البيتين القرشيين « أمية » و « هاشم » ، فذهب كما قال الهمداني « مذهب الكميت والسيد الحميري في التشيع » ، وامتزجت نعراته العرقية والقبلية بعقيدة حب أهل البيت ، وقاسى صراعا نفسيا مريرا عندما فتك بقومه وأهله الداعية « العلوي » إبراهيم بن موسى « الجزار » وهو الذي ألب عليه أهل اليمن ، وقلب عليه البلد سنة 201 / 817 م بعد مجزرة « ريدة » . وقد ضاع الكثير من أشعار القشيبي هذا ، وأبادته تعصبات ذوي النعرات العرقية ، والتشنجات المذهبية عبر العصور فحجب عنا شعر بديع ، وذهب الشاعر وشعره ضحية مواقفه المتضاربة حين لم يمنعه « تشيعه » من أن يؤلب على قاتل قومه ، وهو علوي الدعوة والنسب ، ولم يطق في نفس الوقت وفي تاليبه وثورته على ذلك الداعية النزق السيف ، أن يكتم هواه الشيعي فانفجر في أصوات شجية فحيح حقدها وغضبها ينصهر في تمتمات ود جريح . ! ومما قاله في ذلك : ولله عينا من رأى مثل عصبة أبيروا على خلق وليس لهم ذنب سوى أنهم جاؤوا بسمع وطاعة على أنهم حيث انتهت بهم صحب فاركبتهم حد السيوف تبذخا فافنتهم منك القساسية الشهب بلا ترة كانت لديهم طلبتها فأعجبني ما جئت وازداد بي العجب تشافى بك الأعداء منهم فأصبحت مغادركم فيهم يسير بها الراكب وأنت رفيع البيت من « آل هاشم » وصلبك خير الناس إن ذكر الصلب فهلا بعفو منك كنت انتقذتهم فكان لك العفو المغمد والذنب ؟ فليس بعيدا منك ما فيك يرتجى لأنك ذو الإفضال والسيد الندب وإنه لعتاب صادر عن مرارة تذيب الضلوع ، كيف لا ينسى الشاعر أو يتناسى وهو في عنفوان غضبه أن هذا السفاح ، رفيع البيت ومن ذرية خير
--> ( 1 ) 1977 Dorthee Metlitski , The Matter of Araby In Medieval Enqland , Yale وصفت مخطوطة اكسفورد المعراج وأغفلت ذكر سندينو .